عندما نقول "تقنيات المعلومات"، يتبادر إلى ذهن كثير من الكبار اللعب والإدمان والوقت الضائع وأطفال لا يرفعون عيونهم عن الشاشة. لهذا الخوف جانب حقيقي، لكنه ليس الصورة كلها. التكنولوجيا ليست مكانا يضيع فيه الطفل فقط. إذا استعملت بقصد وانضباط ونية صالحة، صارت ورشة يتعلم فيها العقل الإنتاج.
السؤال الأساسي ليس هل يستعمل الطفل الحاسوب أو اللوح أو الهاتف. السؤال هل هو مجرد راكب في نظام صممه غيره، أم يتعلم شيئا فشيئا فهم النظام وسؤاله وبناء شيء نافع به. هناك فرق كبير بين لمس الشاشة والسيادة على التكنولوجيا.
الخوارزمية لغة النظام
الخوارزمية ليست كلمة جامدة تخص كتب الحاسوب فقط. معناها ترتيب الخطوات للوصول إلى نتيجة. في الحقيقة، الكون نفسه يخاطبنا بالنظام. الليل يتبع النهار، والبذرة تنمو بمراحل، والآلة تعمل حين يؤدي كل جزء وظيفته. البرمجة تعلم الطفل أن يرى هذا النظام بعين مفتوحة.
عندما يكتب الطالب برنامجا، يتعلم السبب والنتيجة بصورة ملموسة. إذا كان الشرط خطأ تغيرت النتيجة. وإذا نقص أمر توقف النظام. الحاسوب لا يجامل، ولا يخمن النية، ولا يقبل الإهمال. يعيد ما كتب. وهذه تربية جدية على المسؤولية.
أداة مثل السكين
التكنولوجيا مثل السكين. في يد تقطع الخبز وتطعم أسرة، وفي يد أخرى تجرح. لذلك المشكلة ليست في الأداة وحدها، بل في نية من يستعملها وعلمه وانضباطه. قد يضيع الهاتف مساء كاملا، وقد يعلم الهاتف نفسه لغة، أو يسجل درسا، أو يتحكم بروبوت، أو يعين محتاجا.
لهذا لا ينبغي أن يكون خطابنا للأطفال "ابتعد عن الشاشة" فقط. يجب أن نقول أيضا: تعال وتعلم ما خلف هذه الشاشة. الطفل الذي يفهم كيف تكتب التطبيقات، وكيف تحفظ البيانات، وكيف تتلقى الآلات الأوامر، يكون أقل عرضة للانبهار بالسطح اللامع.
العلم النافع
علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن خير الناس أنفعهم للناس. هذا الميزان يجب أن يوجه تعليم التكنولوجيا أيضا. ليست البرمجة قيمة لأنها قد تأتي بوظيفة فقط، بل لأنها تصبح وسيلة للخدمة: برنامج صغير لمدرسة، تصميم لذوي الإعاقة، نظام آمن، صفحة نافعة، أو روبوت يحل مشكلة حقيقية.
بهذا المعنى، مختبر الحاسوب ليس غرفة ألعاب. إنه مكان يمكن أن يعلم الصبر والانتباه والتفكير النظيف والخدمة. كل رسالة خطأ درس في التواضع، وكل مشروع يعمل درس في أن الجهد يحول الفكرة إلى واقع.
الصبر بدل اللذة الفورية
ثقافة الشاشة تعطي مكافآت سريعة: مرر، اربح، شاهد، اضحك، انتقل. أما البرمجة فمختلفة. تطلب من الطالب أن يقرأ ويحاول ويفشل ويبحث ويصحح ثم يحاول من جديد. قد يبدو هذا صعبا لطفل اعتاد الترفيه الفوري، لكن القيمة هنا بالضبط.
جيل لا ينتظر لا يبني. وجيل يستسلم عند أول خطأ لا يحمل المستقبل. تعليم التكنولوجيا يجب أن يدرب الشباب لا على استعمال الأجهزة فقط، بل على تحمل الانضباط اللازم للإنتاج بها.
لا ينبغي أن نربي أطفالا عبيدا للشاشة يعيشون بالإشعارات والألعاب. ينبغي أن نربي شبابا يسودون التكنولوجيا، يستعملونها في الخير، ويعلمون أن الشرف الحقيقي ليس في امتلاك أحدث جهاز، بل في إنتاج منفعة للناس.